أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

466

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

التوفيق ، ثم ذكر حكمة وجوده فقال : 237 - جعله لك عدوّا ليحوشك به إليه . قلت : لم يخلق اللّه شيئا عبثا قال تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [ آل عمران : 191 ] . فإيجاد الشيطان له حكم : أولها : انحياش عباده إليه ، لأن العبد الضعيف إذا رأى عدوّا يطلبه هرب إلى سيده والتجأ إلى حصنه ، فيكفيه أمره . الثانية : قيام الحجة على عباده ، فإذا خالفوا أمره قال لهم : اتبعتم عدوي وعصيتم أمرى ، قال تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] . الثالثة : كونه منديلا للعار تمسح فيه أوساخ الأقذار ، وكذلك النفس والدنيا . الرابعة : ظهور مزية المؤمن بمجاهدته ومحاربته ، فهذه حكم في تسليط الشيطان على الإنسان ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ التحريم : 2 ] . حكاية : روي أن الشيطان تعرض لسهل بن عبد اللّه التستري وهو يضحك فقال له سهل : مما ضحكت يا لعين وقد أبلست ويئست من رحمة اللّه ؟ فقال يا سهل : أنا شيء واللّه تعالى يقول : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] فقال سهل إنه يقول : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] ، فأين أنت من التقوى ؟ فقال : التقوى صفة العبد ، والرحمة صفة الرب ، وأين الفاني من الباقي ؟ فلم يجد سهل جوابا ، قلت : وقد يجاب بأن هذه الشبهة مبنية على النظر للفرق ، وأما على الجمع فالرحمة وصفه ، والتقوى فعله ، وفعله يقيد وصفه ، والكل منه إليه : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، ثم ذكر حكمة ظهور النفس فقال : [ وحرّك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ] . قلت : إنما حرك الحق تعالى عليك النفس ليدوم إقبالك وتوجهك إليه ، لأن النفس لما غلبت عليها البشرية جرتها إليها ، فهي دائما تهوي بك إلى أرض الشهوات ، وأنت دائما تريد أن تعرج إلى سماء الحقوق والواجبات ، هي تريد أن تركن إلى أصلها من عالم الصلصال والطين ، وأنت تريد أن تردها إلى أصل روحانيتها في أعلى عليين ، هي تريد السكون في عالم الأشباح ، وأنت تريد أن ترقيها إلى عالم الأرواح ، فهي دائما تريد التسفل ، وأنت دائما تريد الترقي ، فهذا معنى